محمد بن جرير الطبري
211
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
قال : حدثني أبى ، قال : جلس موسى الهادي بعد ما ملك في أول خلافته جلوسا خاصا ، ودعا بإبراهيم بن جعفر بن أبي جعفر وإبراهيم بن سلم بن قتيبة والحراني ، فجلسوا عن يساره ، ومعهم خادم له اسود يقال له اسلم ، ويكنى أبا سليمان ، وكان يثق به ويقدمه ، فبينا هو كذلك ، إذ دخل صالح صاحب المصلى ، فقال : هارون بن المهدى ، فقال : ائذن له ، فدخل فسلم عليه ، وقبل يديه ، وجلس عن يمينه بعيدا من ناحية ، فاطرق موسى ينظر اليه ، وادمن ذلك ، ثم التفت اليه ، فقال : يا هارون ، كأني بك تحدث نفسك بتمام الرؤيا ، وتؤمل ما أنت منه بعيد ، ودون ذلك خرط القتاد ، تؤمل الخلافة ! قال : فبرك هارون على ركبتيه ، وقال : يا موسى ، انك ان تجبرت وضعت ، وان تواضعت رفعت ، وان ظلمت ختلت ، وانى لأرجو ان يفضى الأمر إلى ، فانصف من ظلمت ، وأصل من قطعت ، وأصير أولادك أعلى من أولادي ، وأزوجهم بناتي ، وأبلغ ما يجب من حق الامام المهدى قال : فقال له موسى : ذلك الظن بك يا أبا جعفر ، ادن منى ، فدنا منه ، فقبل يديه ، ثم ذهب يعود إلى مجلسه ، فقال له : لا والشيخ الجليل ، والملك النبيل - اعني أباك المنصور - لا جلست الا معي ، واجلسه في صدر المجلس معه ، ثم قال : يا حراني ، احمل إلى أخي الف ألف دينار ، وإذا افتتح الخراج فاحمل اليه النصف منه ، واعرض عليه ما في الخزائن من مالنا ، وما أخذ من أهل بيت اللعنة ، فيأخذ جميع ما أراد قال : ففعل ذلك ولما قام قال لصالح : ادن دابته إلى البساط قال عمرو الرومي : وكان هارون يأنس بي ، فقمت اليه فقلت : يا سيدي ، ما الرؤيا التي قال لك أمير المؤمنين ؟ قال : قال المهدى : أريت في منامي كأني دفعت إلى موسى قضيبا وإلى هارون قضيبا ، فاورق من قضيب موسى أعلاه قليلا ، فاما هارون فاروق قضيبه من أوله إلى آخره فدعا المهدى الحكم بن موسى الضمري - وكان يكنى أبا سفيان - فقال له : عبر هذه الرؤيا ، فقال : يملكان جميعا ، فاما موسى فتقل أيامه ، واما هارون فيبلغ مدى ما عاش خليفه ، وتكون أيامه